وهبة الزحيلي

54

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

واللّه لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ، ويجازي كلا من المخلص والمرائي بما يستحق . هذا هو المثال الأول لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الرحمن وطلب رضوانه ، والمثال الثاني لمن ينفق على عكس الأول في سبيل الشيطان والهوى أو لغير وجه اللّه . وبدأه تعالى بالإنكار والنفي ؛ لأن شأن المؤمن المخلص ألا يقصد ذلك ، فهو مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي وجه اللّه ، فإذا كان يوم القيامة ، وجدها محبطة مبددة متلاشية ، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنات وأجمعها للثمار ، فبلغ الكبر ، وله أولاد ضعاف ، والجنة معاشهم ومنتعشهم ، فهلكت بالصاعقة . قال البخاري عند تفسير هذه الآية : قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فيمن ترون هذه الآية نزلت ؟ : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ . . . قالوا : اللّه أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : يا ابن أخي ، قل ، ولا تحقر نفسك ، فقال : ضربت مثلا بعمل ، قال عمر : أي عمل ؟ قال : لرجل غني يعمل بطاعة اللّه ، ثم بعث اللّه له الشيطان ، فعمل بالمعاصي ، حتى أغرق أعماله « 1 » . وقال الحسن البصري : هذا مثل ، قلّ واللّه من يعقله من الناس : شيخ كبير ، ضعف جسمه ، وكثر صبيانه ، أفقر ما كان إلى جنته ، فجاءها الإعصار فأحرقها ، وإن أحدكم واللّه أفقر ما يكون إلى عمله ، إذا انقطعت عنه الدنيا « 2 » . وتوضيح هذا المثل : أتحب أيها المنفق لغير اللّه أن تكون لك جنة فيها

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 1 / 319 ( 2 ) تفسير الكشاف : 1 / 299